على بالي

إلى أيّ حدٍّ علينا أخْذ تصريحات ترامب عن غزة على محمل الجِدّ؟ ليس إلى حدٍّ كبير، بالتأكيد. تؤكّد «نيويورك تايمز» أنّه لم تسبق التصريحات اجتماعاتٌ عُليا متخصّصة بشأن غزة.
والفكرة (أي التطهير العِرقي الصريح) ليست من عنده، ولكنّه سمعها من صهره جارد كوشنر، الذي تحدّث عنها في العلن مِن قبل. يسمع ترامب فكرةً ما ويمضي فيها من دون ذِكر العواقب، وإثارة الاعتراضات تجعله أكثر تشبّثاً بالفكرة. فعلَ الشيءَ نفسه بالنسبة إلى الجدار العازل مع المكسيك، وكان قد أصرَّ على أنّ المكسيك ستدفع ثمن تشييده (وكان ذلك في ولايته الأُولى).
وعُودٌ وتهديدات وتصريحات يُشغِلُ بها الإعلام، وكلّما أثارت تصريحاته الاستغراب العالمي يُسرُّ لأنّه يرى في نفسه التنفيذ الفعلي لنظريّة «الرجل المجنون» في السياسة الخارجيّة. هو كان شديد الإعجاب بريتشارد نيكسون الذي كان أيضاً من المؤمنين بها، وكان يحثّ كيسنجر على تسريب أفكار مجنونة منسوبة إليه للإعلام. ترامب لم يسأل حلفاءه من العرب عن مضاعفات تنفيذ مشروع التطهير العِرقي. حتى السيناتور اليميني، ليندسي غراهام، أبدى استغرابه واستغراب زملائه (وكلّ هؤلاء متعصّبون للّيكود ولأقصى اليمين المتطرّف).
ترامب لا يدرس أقواله ولا يعْرضها على مستشارين مختصّين. هو مثلاً هدّد إيران أخيراً: أنّه في حال تعرّضه لاغتيال منها فإنّه سيترك وراءه وصيّة بالردّ بقوّة بعد موته. لكنْ هذا مخالفٌ للدستور. ليس من صلاحيّة ولا قرار لأيّ رئيس بعد موته. لا نتحدّث هنا عن سلالة خليجية. لا يستطيع أيُّ رئيس أميركي ترْك وصايا سياسيّة للتنفيذ. يفقد الرئيس صلاحيّته بمجرّد أن يُخلي سدّة الرئاسة بسبب التقاعد أو الموت أو الاستقالة.
يحبّ ترامب أن يظهر بمظهر الحاكم بأمره، والذي لا يكترث للرأي العام العالمي. وهذا الأداء هو من أسباب نجاحه لأنّ جمهوره يريده أن يتحدّى العالم الذي يراه ليبراليّاً. طبعاً، الفكرة لن تُنفّذ، لكن لدى أميركا إمكانية عرقلة أهالي غزة ومنْع إعادة الإعمار. فلننظر إلى سوريا: أميركا (عبر عقوباتها) منعَت عودة السوريّين إلى منازلهم بحجّة معاقبة نظام الأسد. وسقط النظام والعقوبات لا تزال سارية لأسباب إسرائيليّة.
